فصل: تعريف -أولاً- الإمامة العامة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الشورى في ظل نظام الحكم الإسلامي **


 مقدمة

* الحمد لله الذي من على هذه الأمة الإسلامية بأن جعلها خير أمة أخرجت للناس طالما كانت آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر مؤمنة بالله عز وجل، والحمد لله إذ اختار لهذه الأمة أقوم المناهج، وأسلس السبل، وهداها صراطه المستقيم لتسعد في الدنيا بالسير فيه، وتسعد في الآخرة بجنة الله ورضوانه‏.‏

* والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأكرم الناس خلقاً، وأعظمهم سياسة وحكماً، وخيرهم تابعاً، ملك فحكم بالعدل والمرحمة، وما رؤي متبوع في الأرض كان أكثر مشورة لأصحابه منه، وبذلك وغيره ألف الله له القلوب، وألان له غلاظها‏.‏

* وصلاة الله ورضوانه على خلفائه الراشدين الذين ساروا بالإسلام أجمل سيرة، فما استأثروا دون الأمة برأي، ولا حملوها على ما تكره وبذلك فداهم الحر والعبد، وأحبهم القريب والبعيد إلا من في قلبه إحنة وفي عقيدته زيغ‏.‏

وبعد،

* فإن موضوع الشورى في الإسلام من أخطر الموضوعات وأجلها لأنه أهم الأمور في تسيير شئون المسلمين، ورسم سياستهم ولقد كان أيضاً هو أول الأركان هدياً وإقصاء من نظام الحكم الإسلامي كما قال الحسن البصري رحمه الله‏:‏ ‏"‏أفسد أمر هذه الأمة اثنان‏:‏ عمرو بن العاص يوم أشار على معاوية برفع المصاحف، والمغيرة بن شعبة حين أشار على معاوية بالبيعة ليزيد، ولولا ذلك لكانت شورى إلى يوم القيامة‏"‏ ‏(‏تاريخ الخلفاء للسيوطي ص79‏)‏، ولذلك بقي هذا الحكم معطلاً في ظل الأنظمة الإسلامية التي تلت ذلك اللهم إلا لمحات قليلة كانت الشورى تطبق تطبيقاً جزئياً تافهاً‏.‏ ولذلك فقد فسدت أنظمة الحكم، وسارت وفق الهوى والاستبداد أزماناً طويلة حتى ألف المسلمون هذا الفساد والاستبداد، وظنوا مع مرور الزمن أن هذا جزءا من النظام الإسلامي نفسه، ومن تشريع رب العالمين‏.‏

ولقد هالني يوماً أن يقدم لي أخ مجموعة من المجلات كتب فيها بحثاً عن الشورى فما قرأتها حتى أصابني غم شديد لأن كاتب المقال جعل هذه الصور المشوهة حجة في دين الله عز وجل بل تطاول إلى مقام الرسول صلى الله عليه وسلم فزعم أنه كان يبرم الأمور بغير شورى، وما دام الأمر كذلك عنده فالحاكم المسلم له ذلك‏.‏ ثم زعم أيضاً أن الأخذ برأي الأغلبية نظام غربي وليس من الإسلام ولا يقول به إلا من تأثر بهذه النظم التي وصفها بالفساد والفشل‏.‏

* فرأيت لزاماً علي دفاعاً عن حق الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وتصحيحاً لما نسب للإسلام زوراً أن أبين هذا الأمر الخطير، فأصدرت أربع مقالات متتابعة في مجلة البلاغ الكويتية في الرد على تلك المقالات، ثم رأيت أن جلاء أمر الشورى جلاء موضوعياً وبحثها بحثاً مستفيضاً كاملاً لا بد له من دراسة أخرى فأخرجت بحمد الله ست مقالات أخرى في جريدة المجتمع تلقاها الناس بقبول حسن، والحمد لله على توفيقه، ثم استكملت بقية بحوث الشورى في فترات متقطعة لزحمة الأعمال حتى ظننت بحمد الله أن الأمر قد جاء وافياً مبرزاً لهذه الحقيقة موضحاً لها‏.‏

* وقد قرأت كثيراً مما كتب الأقدمون والمحدثون بهذا الشأن ولست أدعي مع ذلك إحاطة بالموضوع، ولا وفاء له من كل وجه، ولكنه محاولة أظنها ستسهم كثيراً في توضيح هذا الأمر الذي تضاربت فيه الأقوال، وتصارعت فيه الآراء‏.‏ ولقد ظننت أيضاً بعد تمامه أن الموافق لي في الرأي سيفرح بذلك كثيراً لأنه سيلمس الدليل لمساً، وأما المخالف فإنه سيغير رأيه إن شاء الله هذا إذا كان خلافه لنقص في الدليل أو لعدم وضوح في الحجة، وأما من اتبع هواه فلا يملك أحد له هداية إلا إذا أقلع عن الهوى‏.‏

* وقد قسمت البحث بعد تمامه إلى ستة فصول فالفصل الأول يتحدث عن حقيقة الشورى وما هيتها وهو بمثابة المدخل لهذا البحث، والثاني يتكلم عن ورود هذا المبدأ مجملاً في القرآن ليس تطبيقه حسب ظروف الأمة المسلمة ولذلك فقد طبق لصور كثيرة من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي سنة خلفائه الراشدين من خلفائه، والفصل الثالث يتحدث عن طرق العمل بالشورى في الإمامة العامة وهي الخلافة والحكم أو الجماعات الخاصة كجماعة الدعوة وغيرها‏.‏ والفصل الرابع يتحدث عن مجالات الشورى في الإسلام وهو مقسم إلى ستة أقسام‏:‏ سياسة الأمة في الحرب والسلم، وأولويات التطبيق للأحكام الشرعية، واختيار الإمام أو الخليفة، وتوجيه النظام المالي، ورقابة الحكم وتسديده، وبحث أحكام المعاملات الحادثة وكل ذلك داخل في العمل الذي يقوم به رجال الشورى‏.‏

وأما الباب الخامس فإنه يتحدث عن أهل الشورى وطرق اختيارهم‏.‏

والباب السادس هو زبدة البحث وثمرته ويتكلم عن كيفية الوصول إلى الرأي الأخير في الشورى‏.‏

وقد ألحقنا بهذا البحث المناقشات التي دارت مع الأستاذ محمد سلامة الذي رددت عليه في مجلة البلاغ وذلك لما في هذه المقالات من فوائد عديدة، ففيها رد على كثير من الشبه حول هذا الموضوع الخطير‏.‏

وفي الختام أسأل الله تبارك وتعالى أن ينفع بهذا البحث المخلصين من هذه الأمة وأن يكون في جلائه خروجاً من الاستبداد والظلم الذي تعيشه الأمة، وحماية لجماعات الدعوة الإسلامية من فساد التنظيم، وضعف الإرادة، وإرشاداً للفرد المسلم حتى يؤسس بيته وعمله ونظام حياته وفق الشورى، وأسأله تعالى أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم‏.‏

عبدالرحمن عبدالخالق

الكويت 20 من المحرم سنة 1395 هـ

الموافق 2 فبرايـــر سنة 1975م‏.‏

 مدخل إلى الشورى

مر على الناس -في هذه الأرض- أزمان من الظلم والتسلط والاستبداد وكلها كانت من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، فالظلم من طبائع النفوس ولا ينفك عنه إلا من علمه الله ووفقه وهداه‏.‏

وكانت رسالات الله إلى الناس داعية أول ما تدعو إلى العدل والإنصاف وهو ثمرة توحيد الله والإيمان به، فالكافرون هم الظالمون والمؤمنون هم الأتقياء العادلون الرحماء‏.‏ وعلى هدي هذه الرسالات قامت في الأرض في فترات من حياة الناس حياة طيبة زاخرة بالحب والألفة والتراحم والتكافل والعدل‏.‏ خلصت الناس من عبادة العباد إلى عبادة الإله الواحد سبحانه وتعالى‏.‏

والإنسان يتسلط على أخيه الإنسان حالما يملك طريقاً إلى ذلك ولهذا ذاق الناس ظلم الأغنياء لأن المال قوة بأيديهم وظلم ذوي السلطان لأن السلطان قوة بأيديهم ولذلك كان من هدي الإسلام تفتيت هاتين القوتين وتوزيعهما حتى لا تتجمع واحدة منهما في أيد قليلة أو يد واحدة فيقع الناس تحت القهر والظلم‏.‏

ففي المال كانت الزكاة، والميراث، ونصيب الفقراء من الفيء والغنائم وتحريم الربا والاحتكار والغش، وكل هذا حتى لا يكون المال متداولاً في أيد قليلة تتسلط بواسطته على رقاب الناس‏.‏

وفي السلطات كانت الشورى ومبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذلك لتولية الحاكم الكفء وعزله إذا ذهبت كفاءته ونصحه إذا ظلم ومعاونته على الخير ومنعه من الغي‏.‏

فما الشورى، هذا التشريع الرباني الفريد الذي يقوم نظام الحكم العادل عليه‏؟‏ وكيف نستطيع تطبيقه على وجهه الأكمل وذلك في الولايات العامة والإمارات الخاصة‏؟‏ هذا ما سأحاول في مقالات متتابعة -مستعيناً بالله عز وجل- أن أجلو وجه حقيقتها وأن أنفي ما علق عليها من شبه الضالين وتحريف المغالين والله سبحانه أسأل القصد والإعتدال، إنه السميع العليم‏.‏

 حقيقة الشورى‏:‏

عندما ندرس الشورى الإسلامية دراسة شاملة، لا بد لنا من بيان العدد من القضايا التي يقوم عليها هذا النظام وتتلخص في الإجابة عن الأسئلة الآتية‏:‏

1- ما حقيقة الشورى في الإسلام‏؟‏ وما تعريفها، وما هي حدودها‏؟‏

2- أهل الشورى من هم‏؟‏ هل هم جميع المسلمين أم أناس مخصوصون‏؟‏ وإذا كانوا مخصوصين فما الاعتبار في اختصاصهم‏؟‏ وكيف الوصول إليهم‏؟‏ وهل هو بتعيين من الإمام‏؟‏ أم بالترشيح من الناس أم بغير ذلك‏؟‏‏.‏

3- ما هو ميدان العمل عند أهل الشورى‏؟‏ هل هو ميدان النصوص فهماً وتطبيقاً‏؟‏ أم ميدان الجديد من المعاملات تشريعاً وتقنيناً‏؟‏ وهل هو ميدان الحرب والسياسة فقط‏؟‏ أم ميدان الحياة بكاملها‏؟‏

4- الحكم الأخير في الشورى هل هو لغالبية المستشارين‏؟‏ أم لاجتماعهم‏؟‏ أم هو للإمام فقط‏:‏

ومقال اليوم -إن شاء الله- سيكون لبيان حقيقة الشورى والتعرف عليها ليظهر لنا مدلول لفظها -الشورى- واضحاً جلياً‏.‏

وجاء -أشار- بمعنى استخرج العسل واجتناه من مواضيعه، وجاء معنى أومأ بيده أو برأسه‏.‏

فكان المستشير يطلب إشارة الناس إلى مواضع الحق والخير في الأمر المشار فيه‏.‏

والمعنى المنقول لكلمة الشورى هو‏:‏ استطلاع الرأي من ذوي الخبرة فيه للتوصل إلى أقرب الأمور للحق‏.‏

وحسب التعريف السابق ندرك الحقائق التالية‏:‏

1- لا بد لتحقيق الشورى من تصفح الآراء والأفكار في الأمر المشار فيه من كل صاحب رأي وفكرة‏.‏

2- الأمور المقطوع بأنها حق ليست مجالاً للشورى، ولا هي داخلة فيها‏.‏ فالحقائق الثابتة في أمور الدين والدنيا ليست مجال نقاش وآراء لأنه مجمع على أنها حق ولا مجال للاختلاف فيها‏.‏

وحسب ما مضى ندرك -نحن المسلمون- أن حقائق الإسلام الثابتة ليست من مجالات الشورى عندنا‏:‏ فكون الإسلام حق الصلاة واجبة والجهاد فرض والخمر حرام والزنا حرام أمور قد سلمنا بها بشهادتنا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وعرض هذه الأمور وأمثالها على الشورى كفر بالإسلام وخروج من دائرته‏.‏

وليس بقبيح لو اجتمع قوم من غير المسلمين ليتشاوروا أدين الإسلام حق أم لا‏؟‏

بل يجب عليهم أن يتشاوروا ويذكر بعضهم بعضاً بذلك كما وعظهم الله عز وجل بهذا عندما قال تعالى‏:‏

‏{‏قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد‏}‏‏.‏

فنحن لا نستنكر اجتماع غير المسلمين للتشاور في شأن دين الإسلام ولكننا نرى أن المسلم يكفر إذا ما دعا الناس للتشاور في شأن القصاص هل هو عدل أم لا، وفي قطع يد السارق هل هو حق أم لا، وفي شأن الخمر هل نحرمها أم لا‏؟‏

لأنه بذلك يهدم إسلامه السابق إذ من مقتضى الإيمان الإقرار بحكمة الله وعلمه والإيمان بتشريعه كله سبحانه وتعالى‏.‏‏.‏

3- الأمور التي تدخل في إطار الشورى غالباً ما يكون الحق والمصلحة فيها مظنون من الجميع ولا يستطيع أحد أن يجزم به، وقد يعلم الحق في بعض أمور الشورى إذا كان عند أحد المستشارين نص واضح جلي من الكتاب أو نص صحيح صريح من السنة وسأضرب لكل نوع مما سبق أمثلة يتضح بها المقام إن شاء الله‏:‏

مثال الأمر الأول وهو الذي يظن الحق فيه ولا يقطع به‏:‏ أمور الحرب والسلام والمعاهدات، فكم من دول دخلت حروباً وهي تظن أن النصر معها والمصلحة في خوضها ثم باءت بالخيبة‏.‏

وكم من دول أخرى أبرمت معاهدات وعقدت صلحاً وهي تظن الخير لها في ذلك وكان العكس هو الصحيح‏.‏

وهذا الأمر يعم كل الأمم ولا يخص دولة دون دولة، فقد أبرم رسول الله صلى الله عليه وسلم صلح الحديبية وهو مسلم لأمر الله تبارك وتعالى غير عالم بنتائجه إلا أنه قال‏:‏ ‏[‏إنه ربي، ولن أخالف أمره، ولن يضيعني‏]‏‏.‏ فقد كان منفذاً لأمر الله تبارك وتعالى مؤمناً بأن العاقبة ستكون له بمشيئة الله سبحانه وتعالى وقد أنكر صحابته غالبيتهم أمر هذا الصلح إنكاراً شديداً، ولكن كانت عاقبته أن كان أعظم فتح في الإسلام‏.‏

وقد أشار بعض المسلمين على الرسول صلى الله عليه وسلم بالبقاء في المدينة في غزوة أحد، وألح عليهم آخرون بالخروج، والكل يقدر جانب المصلحة في ذلك لم يكن أحد منهم يقطع أين يكون الخير، قد كان احتمال النصر مع الخروج وارداً بل محققاً لولا مخالفة الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏.‏

والشاهد أن أمور الحرب والسلم والسياسة والمعاهدات أمور لا يقطع عند المشاورة فيها بالحق والخير والصواب، وإنما بترجيح جانب المصلحة، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي قواده الذين يرسلهم في الغزو قائلاً‏:‏

‏[‏وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم علي حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا‏]‏‏.‏

فيستفاد من قول الرسول صلى الله عليه وسلم ‏[‏فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا‏]‏ أن حكم الله في هذه الأمور مظنون وليس بمقطوع به‏.‏ ألم تر أن الله عاتب رسوله والمؤمنين لقبولهم فداء الأسرى في بدر، وأخبرهم أن الحكمة والمصلحة كانت تقتضي قتل الأسرى في هذه الغزوة وذلك حتى تخضد شوكة الكفار فلا تقوم لهم قائمة بعد‏.‏

وليس أمام أمير مسلم يحاصر أهل حصن وينزلوا على حكمه احتمال واحد لإبرام الصلح على أساسه بل أمامه عشرات الاحتمالات والشروط وكلها يستند إلى نصوص من الكتاب والسنة، فهل يقتل مقاتلتهم ويسبي نساءهم وذراريهم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني النضير وبني قينقاع‏.‏ أم يمن عليهم جميعاً، أو يفادي برجالهم أسارى المسلمين ببلاد الكفار كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما مناً بعد وإما فداءاً حتى تضع الحرب أوزارها‏}‏ وهل يترك لهم معابدهم ويسمح لهم باستحداث شيء جديد، أم يترك لهم الموجود منها فقط أم يصالحهم على هدم البعض وتحويله إلى مساجد‏؟‏ وهل يصالحهم على ترك أرضهم لهم أم يأخذها منهم‏؟‏‏.‏‏.‏ كل هذه احتمالات واردة وكل منها قد فعله المسلمون في حروبهم وكلها في شأن أمر جزئي وهو‏:‏

استنزال قوم من الكفار من حصن من حصونهم، أي قبول بلدة‏.‏

ما مصلحة المسلمين، والنزول على حكمهم بعد حصارهم‏؟‏

وأقول‏:‏ من يستطيع اليوم أن يقطع بالحق والخير والمصلحة للمسلمين في شأن يهود فلسطين عندما ينصر الله المسلمين وهذا آت لا محالة بإذن الله‏!‏ هل يجلون من فلسطين إلى الديار التي أتوا منها، أم تقتل مقاتلتهم وتسبى نساؤهم وذراريهم كما فعل بيهود بني قريظة، أم يمن عليهم ويعيشون كمعاهدين وأهل ذمة‏؟‏ وإذا كان ذلك فما هي نوع الحريات التي تعطى لهم والتي تمنع منهم‏؟‏ أم يجلى من هاجر بعد عام 1948 ويترك من هاجر منهم قبل ذلك‏؟‏ وهل تعود الأرض إلى أربابها الذين تركوها وهاجروا من أهل فلسطين، أم تكون غنيمة للمحاربين‏؟‏ وهل توزع أم تكون أرضاً خراجية‏؟‏ وأملاك اليهود التي أحدثوها هل تصبح ملكاً للدولة أم للمحاربين‏؟‏ إحتمالات كثيرة وآراء مختلفة متباينة، ويستطيع كل صاحب رأي من الآراء السابقة أن يدعم أقواله بآية من كتاب الله أو حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن من زعم أن الحق والصواب والمصلحة في رأيه هو فقد أخطأ خطأ بيناً وتحكم في دين الله عز وجل ولا يستطيع أحد أن يجزم بالصواب والمصلحة في مثل هذه الأمور إلا بعد وقوعها ومعرفة نتائجها وعلى قياس هذه النتائج يكون تقدير الرأي والحكم عليه بالمصلحة أو المفسدة‏.‏

وللقارئ عذري - إن أطلت في بيان هذا الأمر وضرب الأمثلة من الوقائع السالفة والوقائع المرتقبة والحديثة‏.‏

وذلك أن بعض الناس ممن يزعم العلم الديني يفتي في مثل هذه الأمور ويجزم بأن الحق معه ويرم بالجهل والفسق بل والكفر أحياناً من خالفه الرأي‏.‏

ولكن هناك أموراً أخرى من أمور الشورى قد يعرضها إمام المسلمين للمشاورة ويكون الحق فيها معلوماً بالنص عند بعض الناس، وهذا مثاله الحادثة المشهورة في مشاورة عمر بن الخطاب للمسلمين في دخوله ومن معه أرض الشام بعد أن وقع بها الطاعون، فإن أبا عبيدة بن الجراح قال لعمر‏:‏ ما أرى أن ترجع بل أنت قادم لأمر لا بد من نفاذه ثم أنفر من قضاء الله‏!‏‏؟‏ ولكن آخرين وجدوا المصلحة في غير ذلك وقالوا‏:‏ يا أمير المؤمنين، ارجع بمن معك، ولا تقدمهم على هذا الوباء فتعرض نفسك ومن معك للخطر‏!‏‏!‏

فشاور عمر المهاجرين الأول ثم الأنصار فلم يختلف عليه اثنان أن يجب عليه الرجوع فقال لأبي عبيدة‏:‏ يا أبا عبيدة، نفر من قضاء الله إلى قضاء الله‏!‏ ثم جاء عبدالرحمن بن عوف -وكان غائباً- فلما علم بذلك قال‏:‏ عندي في ذلك علم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله‏:‏ ‏[‏إذا وقع الطاعون بأرض فلا تدخلوها ولا تخرجوا منها‏]‏ فانحسم الأمر وعرف الحق المقطوع به وليس المظنون لأن مستنده نص ظاهر جلي، ولو علمه عمر أولاً ما استشار الناس في هذا الأمر، ولو علمه أبو عبيدة قبل هذا ما قال لعمر‏:‏ كيف تفر من قضاء الله‏؟‏‏!‏

والمقصود بهذه الأمثلة بيان أن بعض أمور الشورى قد يتوصل إلى الحق فيها إذا كان هناك دليل ظاهر جلي وليس هناك دليل مخالف له أو معارض، والبعض الآخر لا يمكن القطع فيه بالحق والخير والمصلحة قبل حدوثه‏.‏

 الحق في أمور الشورى‏:‏

ولكن يجب أن نعلم أنه على مقدار تقوى الله عز وجل والعلم بشريعته والتمسك بها يكون الوصول إلى الحق في أمور الخلاف ومعرفة الصواب في أمور الشورى والاجتهاد‏.‏ مما يدل على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر بني قريظة قرابة شهر في حصونهم وصياصيهم ثم قبلوا النزول من حصونهم ولكن على حكم سعد بن معاذ الذي كان حليفاً لهم في الجاهلية ظناً منهم أنه سيكون رحيماً بهم، وقبل الرسول صلى الله عليه وسلم عرضهم هذا، ثم دعي سعد من المدينة حيث كان يمرض فيها من سهم أصابه في الخندق‏.‏ فقال سعد بعد أن جلس للحكم‏:‏ حكمي نافذ على الجميع‏؟‏ فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أن نعم، وكذا فعل رؤساء اليهود، فقال سعد‏:‏ فإني أحكم بأن تقتل مقاتلتهم وتسبى نساؤهم وذراريهم‏.‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏[‏لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات‏]‏ وهذا هو الشاهد من سوقي لهذه القصة، فإن سعداً رضي الله عنه باجتهاد الصادق وخوفه وتقواه وعلمه حكم هذا الحكم في الذين خانوا العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنى قول الرسول السابق ‏[‏لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات‏]‏ أي هذا حكم الله فيهم، ومعنى ذلك أنه لو أنزلت آيات فيهم لكان مضمونها هو الذي حكم به سعد بن معاذ رضي الله عنه‏.‏

فإذا كانت الشورى هي اشتراك مجموعة من الناس في الاجتهاد للتوصل إلى ما يرضي الله في الأمور التي تعرض للمسلمين ويطلبون حلها فإن أقرب الناس إلى الحق في ذلك هم الذين يتجردون لله عز وجل ويقولون الحق ولا يخافون في الله لومة لائم‏.‏ فنسأل الله أن يجعلنا منهم بمنه وإحسانه‏.‏

 الفروق الأساسية بين الإمامة العامة والجماعات الخاصة

في الفصل السابق عرفنا أن الشورى‏:‏ استطلاع الرأي من ذوي الخبرة للوصول إلى أقرب الأمور للحق، فإنها لا تكون إلا حيث يجهل الحق فإن علم فلا شورى، وأن الأمور التي لا تعرف نتائجها كشئون الحرب، وسياسة الدولة، هي أهم ميدان للشورى وسيأتي تفصيل هذا الأمر والأقوال فيه في مجالات الشورى إن شاء الله تعالى‏.‏ وعرفنا أيضاً أن أسعد الناس حظاً بالوصول إلى الحق في أمور الاجتهاد والشورى هو الذي يخلص دينه لله سبحانه وتعالى، ويقول الحق لا يخاف فيه لومة لائم‏.‏

وقد رأيت قبل استكمال بحث الشورى أن أضع أمام القارئ الفروق الأساسية بين الإمام العامة وهي الولاية أو الخلافة، وبين الإمارات الخاصة وأعني بها الجماعات التي يؤلفها المسلمون لتنظيمهم شأن من شئون دينهم أو دنياهم وذلك أن الناس في وقتنا أصبحوا يخلطون بين الإمامة العامة التي هي خلافة الإسلام الكبرى التي يقيمها المسلمون لتطبيق شريعة الله عز وجل، وتنظيمهم شئون حياتهم ومعاشهم، وبين الجماعات التي يؤلفونها للدعوة إلى دين الله عز وجل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويعطون أحياناً لأمير جماعة الدعوة ما لا يجوز أن يعطي إلا لإمام المسلمين العام ويقع الناس بسبب ذلك في حيرة وإرباك‏.‏ وتبلغ هذه الحيرة أقصاها في وسائل الطاعة، والخروج من الجماعة، والشورى‏.‏

ولذلك أحببت قبل أن أستطرد في بحث الشورى أن أفرق بين هاتين الجماعتين، حتى لا ينزل كلامي في الشورى في غير منازله‏.‏ وسيكون بحث موضوع الشورى متعلقاً بكونه أحد قواعد الشريعة وعزائم الأحكام في الحكم الإسلامي وكونه نظاماً واجب الاتباع في سياسة جماعات الدعوة إلى الله تبارك وتعالى‏.‏

 تعريف -أولاً- الإمامة العامة‏:‏

فالإمامة العامة أو الخلافة هي التي يناط بها إقامة شرع الله عز وجل، وتحكيم كتابه، والقيام على شئون المسلمين، وإصلاح أمرهم، وجهاد عدوهم‏.‏

ولا خلاف بين المسلمين على وجوبها ولزومها، وإثمهم جميعاً إذا قعدوا عن إقامتها وإن كان هناك خلاف فيمن هو أحق بها؛ والشروط التي يجب توافرها فيمن يتولاها ولا خلاف بينهم أيضاً - كما أوجبت ذلك نصوص الكتاب والسنة وسيأتي بيان لهذا‏:‏ إن الطاعة واجبة لولي الأمر المسلم ما لم يأمر بمعصية، وإن الخروج عن الجماعة والشذوذ موجب للعقوبة الأخروية والميتة الجاهلية‏.‏ وقد اتفق أهل السنة على ما دلت عليه النصوص الواضحة من وجوب النصح للإمام المسلم وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر ولو أدى ذلك إلى قتل الآمر، وإن ذلك أيضاً أفضل الجهاد، وكذلك اتفقوا على أنه لا يجوز الخروج على ولي الأمر المسلم، ودفعه بالقوة ما لم يروا كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان، وأما المعتزلة فإنهم رأوا الخروج عليهم بالقوة إذا فعلوا منكراً، وجعلوا هذا داخلاً في قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان‏]‏‏.‏

فجعلوا الإنكار باليد عاماً في تغيير منكر الإمام وغيره، ورأى أهل السنة أن هذا العام مخصوص بالأحاديث الآمرة بتغيير مناكر الإمامة -غير الكفر- باللسان والقلب فقط‏.‏

 ثانياً‏:‏ الجماعات الخاصة‏:‏

وأما الجماعات الخاصة التي تستلزم الإمارة فإنها متعددة وذلك بحسب مصالح الدين والدنيا التي تناط بها، وأشهر هذه الجماعات ثلاث هي‏:‏ جماعة الدعوة، وجماعة السفر، وجماعة الغربة‏.‏

فأما جماعة الدعوة إلى الله تبارك وتعالى فقد استلزم وجودها إهمال أولياء أمور المسلمين الحكم بشريعة الله، وتحكيم كتابه ومجاهدة أعداء دينه، مما أطمع في المسلمين أعداءهم، وأذهب شوكتهم وساعد على نشوء أجيال من أبناء المسلمين تجهل الإسلام وتعادي رسالته، ولذا كان تأليف الجماعات للدعوة لله تبارك وتعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته، وتحكيم شريعته، وتربية ناشئة المسلمين على الإسلام فرضاً لازماً، ومن قال بغير ذلك فقد جهل دين الله تبارك وتعالى‏.‏ وذلك أن الفرد لا يستطيع وحده أن يسهم كثيراً في سد هذه الثغرات‏.‏ والقيام بهذه التكاليف، ولذلك كان التعاون لازماً مفروضاً كما قال تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏وتعاونوا على البر والتقوى‏}‏ ومن ألزم التقوى والبر‏:‏ الجهاد في سبيل الله، والعمل لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى وتربية ناشئة المسلمين في عصورنا هذه، فتعين أن يقوم بها المسلمون أنفسهم، ولن يستطيع الأفراد أن يقوموا بها، فلذا لزم تأليف الجماعات والهيئات لسد هذه الثغرات‏.‏

وأما إمارة السفر فالأصل فيها قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏[‏إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم‏]‏ رواه أحمد، والحكمة في إمارة السفر هو تنظيم شأن الجماعة المسافرة، وإبعادها عن التنافر والخلافة وتعاونها، على الخير والمنافع العامة وكذلك الشأن لجماعة العزلة والغربة، فاتحادات الطلاب والمغتربين المسلمين في ديار الغرب ضرورة لازمة للمحافظة على إسلامهم وإيمانهم وتعاونهم على البر والتقوى ولا يتأتى هذا إلا بتنظيم الجماعة وتعيين الأمراء‏.‏

الفروق الأساسية‏:‏

وبهذا التعريف العام لجماعة المسلمين وإمامهم، وجماعات الدعوة والسفر والغربة وإماراتها والوظائف والغايات المنوطة بكل منها نستطيع إجمال الفروق فيما يلي‏:‏

1- المستند الشرعي‏:‏

المستند الشرعي للإمامة العامة هو إجماع المسلمين على وجوب القيام بها، قال الماوردي في الأحكام السلطانية‏:‏ ‏"‏الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع‏"‏، وكذلك الأوامر الشرعية التي لا تحصى كثيرة التي تلزمنا وجوب تطبيق شريعة الله وأحكامه ومعلوم -عقلاً- أنه يستحيل تطبيق شريعة الله كاملة، وأحكامه تامة إلا بحكم إسلامي شرعي، ولم يخالف في هذا قديماً إلا الأصم من المعتزلة، وتلامذة الغرب في العصر الحاضر كما قال علي عبدالرازق في كتابه‏:‏ ‏"‏الإسلام وأصول الحكم‏"‏ بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقم بتأسيس دولة بالمعنى المفهوم في عصرنا وما كان إلا رسولاً فقط، وما كانت أعماله التي تبدو -كما زعم- من سياسة الملك والرئاسة إلا وسيلة لتثبيت الدين وتأييد الدعوة، وقد أخذ هذا الفكر الخبيث ينتشر في أوساط المسلمين حتى أصبحت هذه القضية المسلمة المجمع عليها تحتاج إلى إثبات وبيان، وإذا لم يكن أمر الإمامة واقعاً فلا أقل من اعتقاد وجوبه على المسلم لأن نفي الاعتقاد بوجوب الواجب والمعلوم من الدين ضرورة كفر بإجماع المسلمين‏.‏

وأما جماعات الدعوة فمستندها الشرعي هو الأوامر الصريحة الواضحة من كتاب الله تبارك وتعالى بوجوب تغيير المنكر، ونشر المعروف وقد جعل سبحانه وتعالى هذا صفة لازمة من صفات الأمة حيث قال‏:‏ ‏{‏كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله‏}‏ ومعلوم أن هذا التغيير الآن لا يكفي فيه الأفراد بعد أن تخلت الحكومات عن فعله بل قد تلبست بضده من نشر الفاحشة وترويجها وإشاعة المنكر عن قتل المعروف فتعاون الأفراد هنا لازم واجب‏.‏ فقول الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏وتعاونوا على البر والتقوى‏}‏ يصبح واجباً لازماً إذا كان الأمر الذي يجب أن نتعاون عليه واجباً لازماً، وهذا شأن فروض الكفايات التي لا تؤدى بفرد واحد، والدعوة إلى الله تبارك وتعالى من ألزم هذه الفروض بل هي ألزمها‏.‏ والجماعة من لوازم الدعوة، فمصالح الأمة التي أهملها من يتولون أمور المسلمين الآن لا تحصى كثرة فالجهاد في سبيل الله، ولا أعني به القتال فقط بل الجهاد بمعناه العام الشامل معطل كله وها هو الإسلام يرمى من كل صوب بسهم، فسهام إلى عقائده، وسهام إلى شرائعه، وسهام إلى آدابه وأخلاقه، ولا راد ولا مدافع إلا القليل القليل‏.‏ ولذلك تتراكم الشبهات وتكثر وتنشأ ناشئة المسلمين فتتشرب هذه الشبهات وتشربها قلوبهم فينشئون على بغض الإسلام وأهله ورسالته، فمن لهذا الجهاد غير الجماعات‏؟‏‏!‏ وهذا الفسق يعلو كل يوم والفضيلة تختفي ولا يكفي في علاج هذا الطوفان فعل الأفراد بل لا بد من التعاون والتعاضد‏.‏ ولذلك يجب أن يعلم الناس أن الإسلام الآن ليس نشاطاً محظوراً، بل هو نشاط واجب ولازم والقوة والسلطان الذي يقف في وجه هذا النشاط -ما دام أنه ملتزم بأدب الإسلام- قوة أو سلطان كافر، وقد أوضحت هذا جلياً بحول الله وقوته في رسالتي المسماة‏:‏ ‏"‏الحد الفاصل بين الإيمان والكفر‏"‏‏.‏

ب- الطاعة والالتزام‏:‏

وأما الفرق الثاني بين الإمامة العامة والجماعات الخاصة ففي الطاعة فهي في الإمامة العامة مطلقة لا يقيدها إلا المعصية فقط، وهذه الطاعة ثابتة للإمام العام في عنق المسلمين حتى مع جوره وظلمه يدل على ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة‏]‏ متفق عليه‏.‏

وكذلك حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال‏:‏ ‏[‏بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثره علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول للحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم‏]‏، وفي رواية‏:‏ ‏[‏وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان‏]‏‏.‏ متفق عليه‏.‏ فقوله رضي الله عنه‏:‏ ‏[‏وعلى أثره علينا‏]‏ معناه أننا نطيع الإمام ولو آثر غيرنا علينا، وكذلك قوله‏:‏ ‏[‏وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً‏]‏ أي لا يجوز الخروج على الإمام بالفسق الذي لا يبلغ حد الكفر وطاعته مع هذا الفسق أيضاً واجبة‏.‏ ولا يعني هذا بالطبع عدم نصحه بل هو واجب كما قلت في صدر هذا البحث، بل جعل الرسول القيام للإمام الظالم الفاسق ونصحه أفضل الجهاد كما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر‏]‏ وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم من يقتله هذا الإمام الجائر عند نصحه من سادات الشهداء كما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله‏]‏‏.‏

وهذه الطاعة المبينة آنفاً غير الطاعة الثابتة لأمير جماعة الدعوة أو أمير جماعة الغربة أو السفر فالطاعة في كل الجماعات السابقة طاعة عرفية مشروطة، وأعني بقولي عرفية أنها بحسب ما تتعارف عليه الجماعة وبحسب ما تشترطه، وبالطبع لا يلزم الطاعة مع الفسق والجور، فقد أوجب الرسول الطاعة للإمام العام مع فسقه وجوره للفساد الحاصل من عصيانه والخروج عليه، ولا يتأتى فساد من عصيان أمير جماعة السفر والغربة والدعوة كفساد الحاصل هناك‏.‏ فالطاعة والالتزام في هذه الجماعات مشروط ببقائها في النظام الموضوع وشروطها المنصوص والمتعارف عليها‏.‏

ج- الوحدة والتعدد‏:‏

وهناك اتفاق على أن ولاية أمور المسلمين يجب أن تكون بيد واحدة هي الخلافة أو الإمامة الكبرى، ولكن بعض المقررين للأمور الواقعة في عصور خلت من تاريخ الإسلام قالوا بجواز تعدد الإمامات العامة‏.‏ ولا يخفى ما في قولهم من البعد والشطط‏.‏

وهذه الأقوال انطبعت أيضاً على العاملين في حقول جماعات الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، فرأى البعض أن تعدد الجماعات غير جائز، واشتط البعض فزعم أن من انضم إلى جماعة ما هم المسلمون وحدهم وما عدا ذلك فليسوا بمسلمين، وكان من أسباب هذه الأقوال الظن الخاطئ بأن جماعة الدعوة إلى الله تبارك وتعالى هي الجماعة المسلمة فقط وأن أمير جماعة الدعوة يقوم مقام الإمام العام والخليفة، ولذلك أعطى مفارق جماعة الدعوة حكم مفارق بيعة الإمام العام، وليس هذا بسديد، بل مفارق جماعة الدعوة مخل بعهد وبيعة خاصة ولا تنطبق عليه أحاديث مفارق الإمامة العامة ومنها قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏[‏من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات ميتة الجاهلية‏]‏ متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما‏.‏

وأما حكم التعدد للجماعات الإسلامية فالحق أنه راجع لطبيعة الجماعات وأعمالها وظروف المجتمعات التي تعيش فيها‏.‏

فالمصلحة الشرعية تحتم أحياناً التعدد في المجتمع الواحد وتحتم أحياناً التوحد والاجتماع وتجيزه أحياناً أخرى، ويحدد الحكم في هذا النظر الشرعي الصحيح المبني على دراسة وافية للنصوص الشرعية، وطبيعة المجتمعات، والدعوات القائمة والمهمات المنوطة بها وهذا كلام فيه إجمال كثير ولتفصيله مجال آخر إن شاء الله تعالى‏.‏ والمهم في هذا الصدد بيان أن القول بحرمة تعدد جماعات الدعوة في المجتمع الواحد أو البلد الذي تحده حدود سياسية واحدة قول متعجل‏.‏ وكذلك القول بالجواز مطلقاً تنقصه الرؤية الواضحة لأحوال الدعوات ومشاكلها‏.‏

حدثني الشيخ داود أحمد فيصل الداعية المسلم في نيويورك وصاحب جماعة الدعوة إلى الإسلام هناك قال‏:‏ ‏"‏في نيويورك وحدها أكثر من أربعين جماعة تدعو إلى الإسلام، ولكن كل جماعة تدعو إلى إسلام غير إسلام الجماعة الأخرى‏"‏‏.‏ فمن يقول بجواز التعدد إذا كان على هذا النحو من الفساد والبلبلة والصد عن سبيل الله‏.‏

ولكن إذا تعددت مصالح الأمة التي أهملها كثير من الحكام كبناء المساجد وتربية النشء على أساس الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودفع شبه الضالين، وتنقية عقائد المسلمين فقامت لكل مصلحة من هذه المصالح وواجب من هذه الواجبات جماعة تفرغ جهدها فيها فهل يقال هنا بحرمة التعدد‏؟‏ كلا إن التعدد هنا واجب حيث أنه يجب سد هذه الثغرات جميعاً، والقيام بهذه الواجبات جميعاً‏.‏

ولكن ما يحز في القلب أن يرى المسلم -في أيامنا هذه- أن همّ جماعات الدعوة إلى الله تبارك وتعالى -إلا من رحم الله منهم- قد انصرف إلى هدم بعضهم البعض، وأنهم ينفقون من أوقاتهم وأعمالهم في هذا الهدم أكثر مما ينفقون في البناء‏!‏

د- الشورى‏:‏

أعتذر للقارئ من الإطالة في شرح الفروق السابقة وتعريف جماعة المسلمين وإمامهم والمهمات المنوطة به، وتعريف جماعات الدعوة وأمرائها والمهمات المنوطة بها وذلك حتى نستطيع أن نكون على وعي بالإطار الذي سننزل الشورى فيه‏.‏ فنظام الشورى المنصوص عليه في القرآن والمعمول به في السنة وسيرة الخلفاء الراشدين هو النظام الواجب الإتباع في الإمامة، وأما جماعات الدعوة فهناك بعض الفروق كما سترى عند التمثيل والتطبيق إن شاء الله تعالى‏.‏

 

مبدأ الشورى ومرونة التطبيق

للشورى في الإسلام قاعدة من قواعد الحكم، ونظام صالح للجماعات وسيرة كريمة للأفراد، وإليك بيان لهذا الإجمال‏:‏

دل الكتاب، والسنة، وأقوال الخلفاء وسيرتهم، وأقوال السلف، وأقوال علماء العصر على أن الشريعة الإسلامية جاءت مقررة لمبدأ الشورى وإليك الأدلة على ذلك‏:‏

أولاً‏:‏ الكتاب‏:‏

قال تعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏159‏)‏‏.‏

نزلت هذه الآية بعد غزوة أحد التي استشار الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين في الخروج إلى عدوهم أو البقاء في المدينة، فأشير عليه من جمهورهم وغالبيتهم بالخروج، وذلك من الذين لم يشهدوا بدراً وكان فيهم تحرق إلى لقاء العدو‏.‏ ولقد كان ما كان من مخالفة الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقاء فوق الجبل وهزيمة المسلمين واستشهاد سبعين منهم، فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم عقب هذه الغزوة بالعفو عمن صدر منهم خطأ كالرماة والذين فروا، والذين تعجلوا الخروج ولم يأخذوا بالرأي الأحكم وهو البقاء في المدينة، وأمر أيضاً أن يستغفر لهم، وأن يستمر على مشاورته إياهم في مثل هذه الأمور، التي هي سياسة الحرب، ومكايد العدو‏.‏‏.‏ ونزول الأمر بالشورى في مثل هذه الظروف يؤكد حتميتها ولزومها‏.‏ واعلم أن ابن عباس رضي الله عنهما قرأ‏:‏ ‏{‏وشاورهم في الأمر‏}‏ ليبين أن الشورى ليست في كل الأمور، وسيأتي لهذا الأمر تفصيل إن شاء الله تعالى في مجالات الشورى‏.‏

واعلم أيضاً أن عامة السلف والفقهاء قالوا بأن أمر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بالشورى كان للوجوب وليس للندب أو الاستحباب، وخالف في ذلك الإمام الشافعي رحمه الله وقاس الأمر هنا على قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏البكر تستأذن‏]‏ أي عند الزواج، قال الشافعي‏:‏ لو أجبرها أبوها على الزواج جاز‏!‏‏!‏ وقد رد هذا القول الفخر الرازي في تفسيره ‏(‏5/83‏)‏ بقوله‏:‏ القياس في مواجهة النص باطل‏.‏

واعلم أخي أن المقيس عليه عند الشافعي في هذه المسألة باطل أيضاً لأن الصحيح أنه لا يجوز للأب أن يجبر ابنته على الزواج لأن هذا مخالف لنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الآنف‏.‏

ولكن بعض السلف -مع قولهم بالوجوب في حق الرسول صلى الله عليه وسلم- نفوا أن يكون هذا الوجوب عن حاجة عند الرسول للمشاورة، بل قالوا‏:‏ لقد أغناه الله عن المشورة بما أوحى له وهداه ووفقه ولكن أمره بذلك ليقتدي به من بعده الأئمة والخلفاء، وليكون هذا سياسة دائمة في الأمة إذا رأى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من هو كان مأموراً بذلك ومطبقاً له‏.‏

ولكن الفخر الرازي نفى هذا القول بقوله‏:‏ ‏"‏والتحقيق في القول أنه تعالى أمر أولي الأبصار بالاعتبار فقال‏:‏ ‏{‏فاعتبروا يا أولي الأبصار‏}‏ وكان عليه السلام سيد أولي الأبصار، ومدح المستنبطين فقال سبحانه‏:‏ ‏{‏لعلمه الذين يستنبطونه منهم‏}‏ وكان صلى الله عليه وسلم أكثر الناس عقلاً وذكاءً وهذا يدل على أنه كان مأموراً بالاجتهاد إذا لم ينزل عليه الوحي، والاجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة‏"‏ ‏(‏المرجع السابق‏)‏‏.‏ وخلاصة هذا الكلام أن الشورى لازمة للاجتهاد ولا تقدح في شخص المستشير بل هي دلالة على رجاحة العقل، وأضيف هنا إلى كلام الفخر الرازي رحمه الله أن الشورى تكون أحياناً في أمور دنيوية صرفة، كالخبرة بشؤون القتال، ومنازل الحرب ومكايد العدو، وأصلح الناس للإمارة، ولا يقول أحد بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أعلم الناس بشؤون الدنيا ولذلك فهو مستغن عن المشورة فيها وهو القائل صلوات الله وسلامه عليه‏:‏ ‏[‏أنتم أعلم بشؤون دنياكم‏]‏ فليس نقصاً في حق الرسول صلوات الله عليه وسلامه، ولا طعناً في منزلته أن يكون أمر الله في الآية السالفة الوجوب، وذلك لتتجمع له الخبرة التامة، والعلم الشامل لتصريف شؤون الأمة الإسلامية الناشئة وليكون هذا سنة للخلفاء بعده ليلتزموا هذا المنهج الكريم‏.‏

2- قال تعالى في مدح المؤمنين الذين ادخر لهم الخير‏:‏ ‏{‏والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون‏}‏ ‏(‏الشورى‏:‏38‏)‏‏.‏

قال ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية‏:‏ ‏{‏وأمرهم شورى بينهم‏}‏ أي لا يبرمون أمراً حتى يتشاوروا فيه ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها‏.‏

وإذا أردت أن تعلم لزوم الأمر هنا فاعلم أنه جاء بالجملة الإسمية التي تفيد الإستمرار والثبوت وأنه جاء بعد الاستجابة لأمر الله وهي الإسلام ثم الصلاة وهي عماد الإسلام وجاء خلف الشورى الزكاة وإنفاق المال فوضع الشورى بين إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة من أكبر الأدلة على لزومها‏.‏

ثانياً‏:‏ الحديث الشريف‏:‏

جاء في السنة ما يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما ترك المشاورة قط بل قال أبو هريرة رضي الله عنه‏:‏ ‏"‏ما رأيت أحداً أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله لأصحابه‏"‏‏.‏

وجاء أيضاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحرص دائماً على مشاورة الشيخين أبي بكر وعمر، بل جاء في حديث الإمام أحمد رحمه الله أن الرسول قال لهما‏:‏ ‏[‏لو اجتمعتما على رأي ما خالفتكما‏]‏ وهذا الالتزام من الرسول صلى الله عليه وسلم يدل على تأكيد هذا الأمر ووجوبه‏.‏ ومما جاء في شأن الوقائع التي شاور فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه‏:‏ مشاورتهم يوم بدر في الخروج إلى العير، ومشاورتهم في منزل الحرب وهي ثلاث مشاورات كلها في غزوة بدر، وكذلك شاورهم في أحد القعود في المدينة أو الخروج للعدو وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ، وقال في حديث الإفك‏:‏ ‏[‏أشيروا علي معشر المسلمين في قوم أبنوا أهلي ورموهم، وأيم الله ما علمت على أهلي من سوء‏!‏ وأبنوهم بمن‏؟‏ والله ما علمت عليهم إلا خيراً‏!‏‏!‏‏]‏‏.‏

ثالثاً‏:‏ سنة الخلفاء وسيرتهم‏:‏

وأما خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم الراشدون فإنهم ما تركوا المشورة وخاصة في المسائل الهامة كتولية الإمام وشن الحروب وتصريف أمورها وتولية الأمراء على أقاليم الإسلام، فتولية أبي بكر وعمر وعثمان كلها كانت بمشورة وإن اختلفت صورها وظروفها‏.‏‏.‏ وحروب الردة وفارس والروم كلها كانت بمشورة المسلمين علانية في المسجد‏.‏ وسأعرض لبعض هذه المشورات في الكلام على مجالات الشورى إن شاء الله تعالى‏.‏ ولذلك جاء عن عمر بن الخطاب قوله‏:‏ ‏"‏من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو والذي بايعه تغرة أن يقتلا‏"‏ ‏(‏البخاري - الاعتصام ص75‏)‏‏.‏

مرونة التطبيق‏:‏

فيما قدمت من آيات وسنة، وأقوال للخلفاء والأئمة دلالة واضحة على أن الشورى قاعدة من قواعد الشريعة، ومبدأ من مبادئ الحكم في الإسلام‏.‏

ولكن يجب أن نعلم أن هذه القاعدة كانت من المرونة، والقابلية للتكييف بحيث لا تلزم المسلمين بصورة من الصور، ولا بكيفية من الكيفيات تكون واجبة التطبيق وجوب المبدأ نفسه‏.‏ فليس في الآية ولا السنة بيان بعدد المستشارين ولا بكيفية استشارتهم، ولا في صفتهم، وليس فيها إلا أن الإمام يجب عليه أن يستشير الناس فيما يعرض لهم من شؤونهم، وأنهم إذا وصلوا إلى قرار أخير بعد الشورى فإنه لا يجوز العدول عنه، ويجب بعد ذلك التوكل على الله عز وجل وعدم التردد والخوف ‏{‏فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين‏}‏‏.‏

وهذا يعني أن التحكم يجعل كيفية ما من الكيفيات أمراً شرعياً مقرراً تحكم باطل‏.‏ إلا أن كانت مستندة إلى نص من النصوص، أو ما تقتضيه ‏(‏المصلحة المرسلة‏)‏ والصالح العام للمسلمين‏.‏ وفي هذه الحالة الثانية الأمر خاضع للنظر والترجيح‏.‏

وحتى نفهم هذا الكلام المجمل أحب أن نفرق في فهم شريعة الإسلام بين أمرين‏:‏ العبادات والمعاملات‏.‏

فالعبادات وهي القرب التي شرعها الله تبارك وتعالى ولنتقرب بها إليه كالصلاة والزكاة والصيام والحج الأصل فيها للتحريم‏.‏‏.‏ ولا يجوز إثبات شيء منها إلا بنص وذلك أن الله لا يعبد إلا بما شرع هو سبحانه وتعالى وهذا أيضاً شأن كيفياتها، وحركاتها وسكناتها، ولذلك تكفل الشارع ببيانها أتم البيان فبين كلماتها وكيفياتها وأوقاتها، ومقاديرها وحركاتها وسكناتها، وكل عمل من هذه الأعمال في هذه العبادات ليس عليه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فهو مردود على فاعله، ولا يقبله الله عز وجل كما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد‏]‏ متفق عليه‏.‏

وأما المعاملات فالأصل فيها الإباحة، ولا يجوز تحريم شيء منها إلا بنص عن الله أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فالمعاملات من بيع وتجارة وهبة، وولاية، وسياسة، وتنظيم لشؤون الدنيا الأصل في كل ذلك الإباحة، ولا يجوز تحريم شيء منها إلا بنص، ولا يجوز أيضاً أن يعطى شيء منها إلا بنص، ولا يجوز أيضاً أن يعطى شيء من هذه المعاملات وغيرها صفة شرعية محددة لم ينص الله عليها، ولا رسوله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فليس في تنصيب الأئمة مثلاً صفة شرعية محددة وكيفية واحدة بل الأصل فيها أن تكون عن شورى كما سبق ونص عمر بن الخطاب على ذلك‏.‏

وببيان هذا الأصل تعلم خطأ من ذهب من الفقهاء إلى أن البيع لا يجوز إلا بصيغة تفيد الإيجاب والقبول ‏(‏بعت وقبلت‏)‏ ولذا ذهب من قال بهذا إلى تحريم ما يعرف ببيع المعاطاة، وهو أن تعطي البائع مبلغاً من المال وتأخذ منه السلعة دون كلام يفيد الإيجاب والقبول، وهذا بيع جائز نفعله جميعاً فأنت تشتري الآن صحيفتك اليومية، وكثيراً من السلع المعلومة دون أن تلفظ بكلمة واحدة من البائع فهل هذا بيع باطل شرعاً‏؟‏‏!‏ بل وأنت تضع عشرين فلساً في الآلة فتخرج لك ‏(‏قارورة البارد‏)‏ فتشربها وتنصرف والطرف الثاني في هذا العقد ليس إنساناً وإنما هو آلة، وكل هذه البيوع مباحة لأن الأصل في المعاملات هو الإباحة ولا يجوز تحريم شيء منها إلا بنص، فالذين نظروا إلى المعاملات نظرتهم إلى العبادة أخطأوا خطأ فاحشاً لأنهم حجروا على الناس استحداث الجديد منها، وضيقوا القديم بكيفيات وهيئات وشروط لم يأذن بها الله سبحانه وتعالى، ولا رسوله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فالذين قالوا لا ينعقد النكاح إلا باللغة العربية قد حجروا واسعاً، والذين قالوا شركات المساهمة حرام لأنها لم تكن معروفة في عهود الفقهاء الأولى قد أخطأوا خطأ فاحشاً، وضيقوا على الناس حياتهم بل الأصل في هذه المعاملات هو الحل ولا يحرم منها إلا بنص‏.‏

وكذلك أخطأ من نظر إلى العبادة نظرته إلى المعاملة فظن أن الأصل فيها التوسعة، وعدم الالتزام ولذلك فهو ينفر ويغضب إذا قيل له يجب أن تسوى الصفوف في الصلاة، ويلزق القدم بالقدم، ويسجد على هيئة معينة، ويركع بكيفية خاصة‏.‏ أقول مثل هؤلاء ينفرون إذا ذكروا بهذا ومثله، وظنوا أن هذا من التحجير والتضييق بل ليس هذا هو التحجير والتضييق، وإنما الشأن في العبادة أن تؤدي كما شرعها الله تبارك وتعالى بكيفياتها، وحركاتها، وسكناتها وبذلك نفهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏[‏صلوا كما رأيتموني أصلي‏]‏، ونفهم أيضاً أن الذين لا يتقيدون في مناسك الحج بمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم وعبادته مخطئون لأنه يقول‏:‏ ‏[‏خذوا عني مناسككم‏]‏ فالأصل في العبادة التقيد التام، والحرفية المطلقة وعدم الابتداع، ومن أحدث في أمور العبادة ما ليس مأموراً به فهو مردود عليه‏.‏

وأما شؤون الدنيا وتنظيمها فالأصل فيها الإباحة مع التقيد التام بحدود الله تبارك وتعالى، فلا يفعل فيها حرام، وأما الابتداع فيها والاستحسان فهو أمر مباح بل مطلوب شرعاً‏.‏

هذه -أخي القارئ- قاعدة هامة من قواعد فهم الشريعة، فاحرص عليها فإنك محتاج لها طيلة حياتك‏.‏

وإذا فهمت هذه القاعدة - فاعلم أن الشورى من المعاملات التي شرعها الله لننظم بها شؤون حياتنا الدنيوية على أكمل وجه وأتمه وشؤون حياتنا الدينية أيضاً‏.‏

ولما كانت خاضعة دائماً إلى ظروف المجتمعات ونموها ورقيها، وتعدد مصالحها فإن الله عز وجل قرر المبدأ فقط ‏(‏الشورى‏)‏ ولم يقرر لنا كيفية معينة لتطبيقها‏.‏ وذلك حتى نتصرف في الكيفية على النحو الذي يرضي ربنا، ويحقق لنا مصلحتنا الدينية والدنيوية ولذلك -أكرر مرة ثانية- يخطئ من يفرض على الناس صفة معينة لمبدأ الشورى ويقول‏:‏ هذه هي الصفة الشرعية وغيرها باطل‏.‏ بل الصفة التي تحقق مصلحة الأمة والجماعة، ويتحقق بها تنفيذ هذا المبدأ فهي الصفة التي يحبها الله ويرضاها‏.‏ ولذلك يجب أن ينظر في الصفة الصالحة نظرة المصلحة العامة ولا نحجر على الناس بصفة معينة، فأي الصفات حققت مصلحة الجماعة فهي صفة شرعية واجبة أوجبتها هنا ‏(‏المصلحة المرسلة‏)‏ وسيأتيك إن شاء الله شرح لهذا الأصل الفقهي عند الكلام على القرار الأخير في أمر الشورى‏.‏